السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

84

مفاتيح الأصول

لمدلول كما إذا شك في كون الوحدة جزءا لمدلول المشترك وفي كون الوجوب جزءا لمدلول الأمر وفي كون القراءة والطمأنينة جزءين لمدلول لفظ الصّلاة فهل الأصل عدم الجزئية وعدم تركب المدلول وعدم دلالة اللفظ عليه بالتضمن فيكون هذا من أحد الأسباب والأدلَّة المثبتة للوضع أو لا بل يجب الرّجوع حينئذ إلى الأمارات والأدلَّة الدالَّة عليه كالتّبادر وعدم صحّة السّلب ونحوهما فإن وجدت حكم بمقتضاها وإلَّا وجب التّوقف يظهر من بعض الأوّل والمعتمد عندي هو الثّاني وقد صار إليه جدي قدس سره وله كلام طويل في هذا الباب اختصّ به ولم يسبقه أحد فيه أجبنا نقله هنا قال رحمه الله صرّح الأصوليّون والفقهاء بأن اللَّغة لا تثبت بالدليل بل مقصورة على السّماع ونص الواضع أو الفهم منه بالترديد بالقرائن هذا في الحقائق وأمّا في المجازات فتجويز نوعها وأمّا إفادتها فبالقرينة الصّارفة عن الحقيقي والمعينة المجازي ومن جملة اللَّغات ألفاظ العبادات والمعاجين والأدوية المركبة والبسيطة ولذا صرّح في الأصول المبسوطة بأن أصل العدم لا يجري في بيان ماهية العبادات وفي كتب الفقه والاستدلال بأن العبادات توقيفية موقوفة على نص الشّارع ويقولون إنها كيفية متلقاة من الشرع ووظيفة الشرع وموقوفة على بيان الشّارع أو على قوله أو على فعله إلى غير ذلك من التصريحات حتى أنهم ربّما لا يكتفون بالإطلاقات الكثيرة الصّادرة منه مثل قوله كبّر للإحرام أو للافتتاح أو سبع تكبيرات إلى غير ذلك ومع ذلك يقولون لا بد من الاقتصار على قول اللَّه أكبر بهمزة اللَّه المفتوحة ولا يقطع ولا يغير هذه الهيئة مطلقا لأنها القدر الَّذي ثبت لنا من فعل الشارع وتمسكهم بأصل العدم في بعض المقامات إنما بالنسبة إلى الشّرط الخارج بناء على ترجيحهم كون اللَّفظ اسما للأعم من الصّحيحة وكون الأعم معلوما بالنّص والإجماع لا في ماهية العبادات ولذا منعهم الذين يقولون بأن اللَّفظ اسم لخصوص الصحيحة وهذا واضح في أنهم متفقون على عدم الجريان في الماهية وأيضا ضبطوا أمارات الحقيقة والمجاز وما به يعرفان وهي نصّ الواضع فيهما والتبادر وعدم صحّة السّلب وما ماثلهما في معرفة الحقيقة وعدم التبادر وصحّة السّلب وما ماثلهما في معرفة المجاز وليس شيء من ذلك دليلا بل خاصة لهما غير منفك عنهما فحاله حال القرائن المعينة لأحد معنيي المشترك ولا فرق بين كون المعنيين حقيقيين أو أحدهما حقيقة والآخر مجاز أو المراد من الدّليل الأدلَّة العقليّة وإن كانت معتبرة في غير المقام مثل أصل العدم وغيره على أنّك عرفت أن كلماتهم صريحة في انحصار معرفات المعنى وما اعتبر فيه من الأمور الَّتي أشرنا إليها وأصل العدم وما ماثله ليس داخلا في تلك الأمور قطعا وإن كانت معتبرة شرعا في غير المقام مثل أصل العدم وغيره وتمسكهم بالأصل في عدم تعدد المعنى أو عدم تغيره بعدم معلوميته أو ثبوته كما ذكرنا في الفوائد ليس تمسّكا في بيان ماهيّة المعنى أو ما هو داخل فيها بل في أمر آخر ولا مانع من هذا التمسّك كما ستعرف على أنهم كثيرا ما لا يجدون معرفات للحقيقة أو المجاز فيتوقفون ولا يتمسكون بالأصل مع وضوح جريانه لو صح ولم يكن له مانع وبالجملة طريقة الفقهاء والأصوليين فيما ذكرنا في غاية الوضوح إلَّا لمن يكون جاهلا بطريقتهم أو غافلا عنها يحتاج إلى ما نبهنا له وأشرنا ألا ترى أنهم لا يقولون الأمر حقيقة في الإذن لأصالة عدم مدخليّة غيره في معناه وكذا الحال في غيره من الألفاظ لا يثبتون معناها بضميمة الأصل أبدا مع جريانه فيه وفي معاجين الأطباء وأدويتهم المركبة وأما عدم إمكان معرفة اللغة بالدليل فهو من أجلى البديهيات إذ يعرف كل طفل أنّه لا يمكن معرفة لغة أهل الإفرنج أو الهند أو الزنج أو الخزرج أو الصّقالبة أو اللَّغة اليونانية أو السّريانية أو العبرانيّة أو غيرها بدليل من الأدلَّة ولا بمجموع الأدلَّة يعرف أنها مقصورة على السّماع والترديد بالقرائن ليس إلَّا وكذا الحال في مجازات تلك اللغة على حسب ما أشرنا وكذا الحال في معرفة حقائق اصطلاحه عن مجازاته من غير جهة خواصهما الَّتي أشرنا إلى بعضها وضبطوها في كتبهم مع أنّهم تأمّلوا في المعرفة ببعض ما ذكروه فكيف الحال في الأدلَّة مع اتفاقهم في عدم المعرفة بها على أنّه ربّما نطلع على شيء في هذه المعاني بعنوان اللا بشرط بسبب الشياع أو القرائن فلا يمكننا أن نقول المعنى هو هذا الَّذي اطلعنا عليه لأصالة عدم الزّيادة فعلمنا هذه اللَّغات وعرفناها مثلا اطلعنا بالشياع أن الأيارج باللَّغة اليونانية دواء ولم نعرفه أنّه مطلق الدّواء أو دواء خاص فلا يمكننا أن نقول هو مطلق الدّواء للأصل أو اطلعنا أنه دواء الصّبر ولم نعرف أنّه هل فيه جزء آخر أم لا فنقول هو مطلق الصّبر يداوى به من غير اعتبار شيء في كيفية المداواة به أصلا لأصالة العدم أو علمنا أنّه فيه جزء آخر هو الإهليلج ولم نعرف أنّه فيه جزء آخر أم لا ولم نعرف أيضا أنّه يعتبر في هذين الجزءين كميّة أو كيفيّة في التركيب والتّرتيب أو كونهما مسحوقين أو غير مسحوقين أو منقوعين أو لا أو مطبوخين أو لا أو أحدهما كذلك دون الآخر بالنسبة إلى الكل أو البعض إلى غير ذلك فنقول الأصل عدم اعتبار جميع ذلك فالأيارج هو الجزءان لا غير وكيف كانا ولو قلنا ذلك وداوينا المرض بالجزءين كيف كانا لألحقنا بالمجانين في حكمنا بأنه الأيارج وكنا مؤاخذين على اليقين في المداوى بل لغتنا لا يمكن ذلك فيها فكيف لغة